الرئيسيةالبوابةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 التنوع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الفاروق
Admin
avatar

عدد المساهمات : 33
نقاط : 89
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 23/04/2009
العمر : 40

مُساهمةموضوع: التنوع   الجمعة نوفمبر 06, 2009 4:06 am

التنوع
ومن خصائص الحياة الروحية في الإسلام: التنوع، فالمسلم الذي يعبد ربه ويتقرب إليه، ويغذي روحه بحبه، وقلبه بقربه، وعقله بمعرفته سبحانه، لا يحبس نفسه على نوع معين من التعبد أو الجهاد الروحي.
إن أمامه فرصا جمة، ومجالات رحبة، يصول فيها ويجول، ويجد كل إنسان فيها ما يشغل طاقته، ويشبع نهمه، وينقع غلته.
فقد نوع الإسلام في مطالبه الروحية من الإنسان المؤمن ما بين قول وعمل، وفعل وترك، وإلزام وتطوع، وعمل جارحة وعمل قلب، وما بين ليل ونهار، وسر وعلانية.
من عبادات الإسلام ما هو قولي كالذكر وتلاوة القرآن، وما هو فعلي كإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وما هو تركي كالصيام الذي هو إمساك وحرمان.
ومنها ما هو بدني خالص كالصلاة والصيام والجهاد بالنفس، وما هو مالي خالص كالزكاة والصدقات والجهاد بالمال.
وما هو جامع بينهما كالحج والعمرة، والجهاد بالنفس والمال معا.
ومنها ما هو إيجاب، كفعل المأمورات، فرائض لازمة أو نوافل مستحبة.
ولا ريب أن الفرائض مقدمة على النوافل، ولا يقبل الله النافلة حتى تؤدى الفريضة، والمحافظة على أداء الفرائض تفضي بالإنسان إلى منزلة "التقرب" من الله تعالى، والمحافظة على النوافل ترقى به إلى منزلة "الحب" لله تعالى.
وفي هذا جاء الحديث القدسي الذي رواه البخاري في صحيحه: "ما تقرب إلي عبد بأفضل مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها.."
ومنها: ما هو سلب مثل ترك المنهيات، محرمات كانت أو مكروهات.
وأول ما يجب اجتنابه ـ بعد الشرك ـ هو الكبائر، ثم يرتقي المرء فيجتنب صغائر المحرمات، ثم يتقي الشبهات، استبراء لدينه وعرضه، ثم يرتقي فيجتنب المكروهات ولو كانت كراهتها تنزيهية، ثم يزداد ارتقاء فيتقي بعض الحلال، خشية أن يجر إلى المكروه، فالشبهة، فالحرام، كما في الحديث: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به بأس".
وهذا الجانب التركي أو السلبي أمر مهم، وهو بمثابة التخلية قبل التحلية، أو إزالة الأنقاض قبل البناء، وفي الحديث: "اتق المحارم تكن أعبد الناس".
ومن الأعمال الروحية ما هو مختص بعضو واحد، كاللسان، الذي يقوم وحده بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والدعاء والاستغفار والتلاوة والصلاة على النبي، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومثل اليد التي يكتب بها المسلم العلم النافع، ويصافح بها المؤمنين، ويعمل بها في كسب العيش الحلال: "ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده".
ومثل الرجل التي يمشي بها إلى بيوت الله، وإلى صلة الأرحام، وألوان الطاعات المختلفة، وكذلك سائر الجوارح.
ومن الأعمال الروحية ما هو مختص بالعقل، مثل التفكر في مخلوقات الله تعالى وآلائه، ومنها: الإنسان نفسه: (وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم، أفلا تبصرون).
ومثل ذلك: التدبر لكتاب الله: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب).
وكذلك التفكر في طلب العلم، وفهمه وهضمه، وحل معضلاته.
ومنها ما هو من أعمال القلب مثل: الإخلاص، والمحبة، والرجاء، والخشية، والتوكل، والزهد.. وغيرها من مقامات الصالحين.
ومن الضروري أن يعرف أن الأعمال كلها لا تقبل عند الله إلا بعمل قلبي أساسي وهو النية المجردة لله تعالى، بأن يؤدى العمل خالصا له، وابتغاء وجهه ومرضاته، كما قال تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء).
ومع هذا التنوع الرحب في الأعمال، فهي ليست في درجة واحدة، فهي متفاضلة تفاضلا كبيرا، فالنوافل دون الفرائض، وفرائض الكفاية دون فرائض العين، وفرائض العين المتعلقة بحق الفرد، دون الفرائض المتعلقة بحق الجماعة.
والأعمال المقصور نفعها على صاحبها مثل الصلاة والصيام والحج والعمرة، ليست كالأعمال التي يتعدى نفعها إلى الغير، وكلما اتسعت دائرة المنفعة بالفعل كانت قيمته أرفع ومثوبته أكبر.
ولهذا كان الجهاد في سبيل الله "ذروة سنام الإسلام" لما وراءه من درء الخطر عن أمة الإسلام وإعلاء لكلمة الله، وحماية لدعوة الله، ومن هنا كانت "الشهادة في سبيل الله" أعلى وأفضل ما يتمناه مسلم لنفسه، فعن سعد بن أبي وقاص: أن رجلا جاء إلى الصلاة والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فقال حين انتهى إلى الصف: اللهم آتني أفضل ما تؤتي عبادك الصالحين! فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة، قال: "من المتكلم آنفا؟" فقال الرجل: أنا يا رسول الله. قال: "إذن يعقر جوادك وتستشهد [في سبيل الله]".
وقد رأينا فقيها محدثا مجاهدا كبيرا مثل الإمام عبدالله بن المبارك يكتب إلى صديقه وأخيه في الله العابد الزاهد الرباني: الفضيل بن عياض، وهو أرض الرباط والجهاد، والفضيل في رحاب الحرمين ينتقل بين مكة والمدينة عابدا متبتلا، فأرسل إليه بقوله:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب!
من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب
إن ساحة العمل الروحي فسيحة، وأنواعها كثيرة، ولكن المؤمن البصير هو الذي يتخير منها ما يناسب حاله.
فلا ينبغي للغني أن يجعل أكبر همه في التعبد لله تعالى بصيام الاثنين والخميس، أو بصيام داود عليه السلام الذي كان يصوم يوما ويفطر يوما، غافلا عن أن العبادة اللائقة به قبل كل عبادة هي إنفاق المال في سبيل الله.
ولا ينبغي للطبيب أن يتعبد لله بالوعظ والإرشاد، وحوله من مرضى المسلمين من يحتاج إلى من يعالجه من أشد الأمراض فتكا، ومن يحرره من ربقة الأطباء المتاجرين بأسقام البشر، والمستغلين لضرورات الخلق.
ولا ينبغي للإمام أو الحاكم أن يتعبد لله بالحج والعمرة كل عام، وهو مهمل لأمر رعيته، غافل عن إعطاء كل ذي حق حقه، وعن تأديب الفجار والمتعدين لحدود الله.
وهكذا يجب أن نعلم أن أفضل العبادة بالنسبة لكل إنسان ما كان أليق بحاله وألصق بمقدرته ونعم الله تعالى عليه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
التنوع
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى بلدة محكان :: منتدىالاعجازالعلمي-
انتقل الى: